المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان
111
مجموع رسائل الإمام المنصور بالله
فأما قوله : كيف يكون في ملكه ما لا يشاء ، وأن ذلك يدل على كونه عاجزا ؟ فالجواب : أنه إنما كان يدل على العجز لو أراد المنع من ذلك ، ولكنه لو منع لبطل التكليف ولم يستحق المحسن ثواب الإحسان ، ولا المسئ عقاب الإساءة ، وإنما أمر سبحانه تخييرا ، ونهى تحذيرا ، فكلف يسيرا ولم يكلف عسيرا ، فله الحمد بكرة وأصيلا ، والدار الآخرة دار الجزاء ، وهذه الدار دار العمل لمن برم الزاد ، وقدم الاستعداد . وأما قوله : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ [ يونس : 99 ] ، وما شاكله من الآيات فذلك مستقيم ، ومعناه أنه لو شاء إكراههم على الإيمان لآمنوا كرها لا طوعا ، وكان التكليف يرتفع وتنتقض الحكمة ، ويزول الغرض بالتخيير والتمكين ، ولا يفرق بين المسئ والمحسن ، وقد قال تعالى : لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [ الأنفال : 37 ] ، وقال : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ [ البقرة : 214 ] ، وقال : ألم ، أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [ العنكبوت : 1 ، 2 ] ، فلولا الإحسان والتخيير لم يتفاضل الناس في المنازل ، ولو عجل تعالى عقوبة العاصين لما عصي ، ولو عجل ثواب المطيعين لأطاع الجميع رغبة في العاجل ، لكنه جعل الجميع غيبا آجلا ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين ، والمراد ظهور المعلوم وليقع الاستحقاق ، وإلا فهو تعالى علام الغيوب يعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن كيف كان يكون ، وما كان لو لم يكن كيف كان يكون ، ولكنه ليس يصلح في الحكمة أن يعاقب بعلمه ولا يثيب بعلمه قبل وقوع الفعل من العبد ؛ لأنه لا يستحق التعظيم والثواب ، والاستحقاق والعقاب ، إلا على فعله وعلمه تعالى غير فعل عبده .